Home / اخبار

نجيب أقصبي عن الأمن و السيادة الغذائية للمملكة

في حديثه عن السيادة و الأمن الغذائي بالمملكة ، خصص نجيب أقصبي في حوار له على موقعه الخاص باليوتوب مع شبكة سيادة ، شقين للموضوع.

1 مفهوم السيادة الغذائية، المديونية و السياسة الفلاحية.

في السبعينات من القرن الماضي كان الإكتفاء الذاتي الغذائي هو المصطلح السائد .و يقصد به ان تنتج محليا كل ما تستهلكه. . وفي الثمانينات، و في إطار عولمة التجارة وتحرير الاسواق و الخوصصة تم إلحاق مفهوم الأمن الغذائي بالسوق الدولية و تم دفع الدول لإنتاج ما يحتاجه السوق الدولي .و في هذا المنحى، و لأن العرض الدولي متنوع، فكل دولة تبيع منتجاتها و تقتني ما تحتاجه بالعملة الصعبة ،و التي من المفترض أنها حصلت عليها مما باعته. لذا لم يطرح مشكل الأمن الغذائي.

و جاء مؤتمر الفاو في 1996 ليحدد مفهوما جديدا أكثر توازنا للأمن الغذائي، و الذي اصبح يرتكز على شروط هامة

  • وفرة المنتجات المستهلكة محليا
  • القدرة الشرائية للمواطنين
  • السلامة الصحية للمنتج
  • ملائمة المنتج للعادات الاستهلاكية
  • ملائمة المنتج للموارد الطبيعية و الضروف البيئية
  • ان لا يكون الانتاج ظرفيا و يتمتع بالاستمرارية

و خرج مصطلح السيادة في نفس المؤثمر ليثمن مصطلح الأمن الغذائي ويضيف قدرة البلد على ضبط الإختيارات و التحكم في القرار في مجال الفلاحة حسب حاجيات الساكنة دون المساس بمصالح البلدان الأخرى.

يضيف أقصبي أن السيادة و الأمن الغذائي في المغرب مرتبطين بالمديونية. فرهان السيادة يقبع تحت إكراهات المديونية الخارجية .

إن الاقتصاد المغربي في حاجة بنيوية للمديونية، نظرا لضعف الموارد. التمويل الذاتي لميزانية الدولة يعتمد على النظام الضريبي الناتج عن الحركة الإقتصادية. و الذي يجب أن يغطي على الأقل 80% من مجمل النفقات . إلا أن العائدات الضريبية ، و في صيرورة تاريخية الى حدود 2022, لا تغطي سوى 55% من نفقات ميزانية الدولة، و إذا أضفنا النفقات الغير الضريبية (عائدات الفوسفات، عائدات المؤسسات العمومية، إعانات، الخ ) سنصل الى حدود 62% كأبعد تقدير. و أمام هذا العجز ، يحتاج المغرب تمويلات من البنك الدولي في حدود 35% الى 40% . لذا فالمديونية حاجة بنيوية عضوية في تمويل الاقتصاد المغربي.

و في هاته الوضعية، فإن السياسة الفلاحية أدت الى المديونية و المديونية عمقت مشكلة الاختيارات الفلاحية و هوة السيادة الغذائية في علاقة جدلية شأنها شأن باقي القطاعات الإقتصادية.

و ترجع المشكلة الى بداية الستينات من القرن الماضي . ففي 1963عرف المغرب أزمة مالية خانقة استدعت البنك الدولي الذي اصدر تقاريره بخصوص مخططات تهم المغرب و الذي يظهر أن له مؤهلات فلاحية وجب تطويرها. ففي تلك الفترة كان المغرب يعاني من فياضانات “جهة الغرب” مقابل جفاف بمناطق أخرى. و خرجت توصيات اقترحها البنك الدولي من بينها بناء السدود و تجهيز الأراضي مع إطلاق سياسات عمومية تهدف إلى الدعم عبر القروض و الإعفاءات الضريبية و التأطير….، و بتمويل من صندوق النقد الدولي مع الإلتزام بدفتر التحملات، و الذي ينص على التوجه الى فلاحة ذات قيمة مضافة عالية، تمكن من عائدات بالعملة الصعبة. هكذا تحول الإنتاج من تلبية السوق الداخلي الى الدولي، ليضرب عرض الحائط الأمن الغذائي المحلي.

و بعد مجهودات جبارة لإنتاج مواد ذات قيمة مضافة في السوق الدولي يصطدم المغرب بلوبيات أوربية منافسة بدأت بتنزيل آليات حمائية تصب في صالحها و قزمت إمكانيات الربح و التصدير .

2 برنامج المغرب الأخضر ، التبعية الغذائية و أسبابها.

في رده على على أوجه التبعية الغذائية و أسبابها في برنامج المغرب الأخضر . يقول نجيب أقصبي إن الإنطلاقة الفلاحية في مغرب بعد الاستقلال كانت مرهونة بالبنك الدولي الذي اهتم فقط بالمردودية، التحديث و التصدير . فعلى مدى 40 سنة لم تتغير السياسات الفلاحية للمملكة. تم تشييد عدد كبير من السدود الكبرى( 150 سد) و تم تجهيز مايقرب 700 ألف هكتار. أراض محظوظة استفادت من الاستثمارات و آليات الدعم و السقي، جزء ضئيل منها يتوجه للانتاج الداخلي. كل هاته الاختيارات الفلاحية أدخلت المغرب في دوامة جاءت عكس السيادة الغذائية .

لقد أبانت هاته السياسة الفلاحية محدوديتها أمام الإكراهات كما أظهرت انتقائية. ف 700 الف هكتار لا تتعدى 8% من الأراضي على الصعيد الوطني ، فهي بذلك عمقت الفوارق المجالية، خصوصا بالنظر إلى العالم القروي . و في ظل هذا التوجه تم تهميش الانتاج الاستراتيجي للأمن الغذائي و الذي عجل بالتحول في نمادج الاستهلاك الذي شجعته الدولة عبر صندوق المقاصة. حيث تم تعويض زيت الزيتون بزيوت نباتية أخرى مدعمة، و عوض القمح الصلب و الشعير بالقمح الطري (فارينة). و نظرا لضعف القدرة الشرائية للمستهلك تلقى المواد المدعمة إقبالا وطنيا. و في دائرة لا متناهية اصبح المغرب يستورد ما يستهلك و ينتج ما لا يحتاجه، ليعمق تبعيته للسوق الدولي.

مخطط المغرب الاخضر جاء تكملة لما سبق. و كل الوثائق و الادبيات لبداياته خلال 2008, 2009, 2010 تتحدث فقط عن الإنتاجية و المردودية، لأنه كتب بأيادي خارجية تابعة للبنك الدولي. لا وجود لما يسمى بالأمن الغدائي أو السيادة الغذائية في هذا المخطط، بل و لم تشمل التوقعات نسبة الاستهلاك مقارنة بالانتاج . ناهيك عن عدم جرد الإكراهات التي تواجه المخطط (الموارد الطبيعية و المائية ).

فعدد الثغرات في المخطط منذ بدايته 2008 جعلت المتابع في ريب من إمكانية تحقيقه. فالضروف المناخية و نذرة المياه أبانت عن أسئلة لا جواب لها الى حدود 2011, حين أعلنت الحكومة عن برنامج السقي بالتنقيط. و حصرت جوابها عن سؤال شح المصادر المائية في هذا الحيز الضيق.

كما أن تطبيق مخطط المغرب الأخضر أعطى نتائج عكسية . الدولة منحت دعما بنسبة 100% لكل 5 هكتارات. و هذا أدى إلى ظهور تحولات جدرية. حيث انتقلت مناطق من الفلاحة البورية الملائمة للتربة و المناخ (منطقة سايس ، الحاجب نمودجا) الى فلاحة سقوية مرتكزة على منتجات لها قيمة تسويقية عالية و تستهلك الماء بشدة مما أثر سلبا على الفرشة المائية و شكل إجهادا ، في الوقت التي ترى الوزارة أن الري بالتنقيط حل للحفاظ على الثروة المائية.

الإمكانيات التي رصدتها الدولة لإنجاح مشروع المخطط الاخضر كانت هائلة وصلت 150 مليار درهم ، لكنها صبت كلها في صالح كبار الفلاحين و أبانت عن سياسة فلاحية انتقائية أتت بنتيجة عكسية، فمن جهة عمقت الفوارق المجالية حيث ضيعات فلاحية ممتدة بالهكتارات الى جانب قرى فقيرة لم تر من المخطط الاخضر غير الاسم. أضف الى هذا أن الدولة لم تجهز أليات لمراقبة نجاعة توظيف هاته الاراضي و الموارد. أعطت الموارد و لم توظف الرقابة . و كانت النتيجة أن الفئة المحظوظة استفادت من الدعم و رفعت انتاجيتها و نسبة التصدير و كونت ثروة الا انها لم تساهم في تعزيز الأمن الغذائي لان الدولة لم تضبط التوازن بين السوق الداخلي و الدولي .

بالنسبة للخضر و الفواكه يظهر ان الانتاج متوفر محليا . إلا أنه بهدف الربح يفضل المنتج التصدير على السوق الداخلي ،الشيء الذي يربك الاسواق الداخلية و يؤدي الى ارتفاع الأسعار. ناهيك على أن أجود المنتجات من حيث السلامة الصحية هي التي توجه للتصدير. و لهذا فمخطط المغرب الاخضر ساهم في تدهور الأمن الغذائي للمغرب .

و في جوابه عن ماهية أوجه تبعية المغرب الغذائية و اسبابها، أردف أقصبي قائلا إن للمغرب 5 مجموعات غذائية ذات طابع استراتيجي و هي المجموعة التي دخلت في العرض المغربي للغات 1994 GATT (الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية و التجارية) التي تقضي بأحقية كل بلد في جرد مجموعة من المواد التي لا تخضع لمجال التحرير . و هي بالنسبة للمغرب

  • الحبوب
  • الزيوت،
  • السكر ،
  • الحليب و مشتقاته،
  • اللحوم البيضاء و الحمراء.

المغرب لم يحقق الأمن الغذائي في هاته المواد بحكم التقلبات المناخية و الجفاف. فالقمح خلال 3 سنوات الماضية كان محل تقلبات ، حيث كان المحصول السنوي 33 مليون قنطار، ثم 144 مليون قنطار في السنة التالية ، ثم نزل إلى 54 مليون قنطار في السنة الأخيرة . لدى يبقى المغرب لديه تبعية للسوق الدولي بالنسبة للحبوب بأكثر من 60 %.

و تنضاف تبعية جديدة على البلد ؛ فيما قبل كان المغرب يحقق الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء ، أما في السنوات الأخيرة اضطر المغرب لاستيرادها. و بخصوص اللحوم البيضاء ، وإذا اخذنا بعين الاعتبار أن حبوب الذرة هي المكون الاساسي لعلف هاته النوعية، و تستورد بنسبة 100% فإنها تضاف الى تبعية المغرب في شق اللحوم.

بالنسبة السكر كان المغرب يعرف معدل اكتفاء ذاتي يصل إلى 65% و نزل إلى حدود 43% و حاليا يوجد في حدود 50%. اي بنسبة تبعية تصل إلى 50%.

و فيما يخص الزيوت، اذا استثنينا زيت الزيتون، فالزيوت النباتية تصل معدل 98% تبعية للسوق الدولي .

لذا، فالوضعية الراهنة اتجاه الامن الغذائي هي أصعب مما كانت عليه سابقا. ما نستورده يضعنا في وضعية حساسة خاصة في ظل ميزان القوى على الصعيد الدولي. و ما نصدره ليست له نفس القيمة الإستراتيجية مما يؤثر سلبا على القيمة التفاوضية للمغرب. و هذا ما يبعث على القلق؛ لأننا استثمرنا في منتجات ذات قيمة استراتيجية منخفضة و هي تبعية كمية و كيفية.

و في رده على اتفاقيات التبادل الحر مع اوربا و الولايات المتحدة الأمريكية و تأثيرها على الأمن الغذائي الوطني، يوضح أقصبي أن أول اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي كانت في 1969. و اتفاقيات التبادل الحر بمعناه الحالي بدأت من عام 1995 إلى عام 2005، بين المغرب و الاتحاد الاوروبي، الولايات المتحدة الأمريكية ، الدول العربية ، تركيا، في حدود 55 إلى 60 دولة. و قد تم هذا الأمر عبر المنظمات و المؤسسات الدولية التي كانت تنادي بالتحرير .

جل هاته الاتفاقيات كان لها طابع سياسي أكثر منه اقتصادي. و للذكر كمثال، فبعد حرب العراق، أمريكا ارادت ان تبين للعالم انها لا تحارب العرب و المسلمين بل تربطها علاقات تجارية هامة مع بلدان عربية كالمغرب. تم اخذ القرار السياسي في البيت الأبيض قبل لجنة الخبراء التي درست موضوع الاتفاق الحر. و الغريب أنه من الجانب الأمريكي انكب 200 خبير على دراسة الموضوع، فيما على الجانب المغربي، كان الموضوع بيد قلة داخل الوزارة. لذلك فالنتائج مرتبطة بالجدور. ففي ظل ميزان القوى لا يمكن للاتفاقيات أن تكون في صالح المغرب. لهذا يعاني المغرب من ميزان القوى و القدرة التفاوضية.

و هذا يوضح كيف لبلد وقع اتفاقيات تبادل مع 60 بلدا و هو في عجز مع 60 كلها . و للرجوع لموضوع العلاقة بين هاته الاتفاقيات و الوقع على الأمن الغذائي و الموارد الطبيعية يجب التذكير بأن الإتفاقيات تزيد من هيمنة التوجه نحو التصدير على حساب المواد الأساسية و الاستراتيجية و بالتالي الأمن الغذائي الداخلي.

إن ميزان القوى في هاته الاتفاقيات ليس في صالح المغرب . فماحدث مع تركيا و الولايات المتحدة خير مثال. وصل العجز التجاري الى 20 مليار درهم مع تركيا.و تم إغراق السوق بالمنتجات التركية في منافسة للمنتوج المحلي، مقابل صادرات مغربية تعد على رؤوس الأصابع. و هاته نتيجة حتمية لأن المغاربة لم يدرسوا السوق الخارجي و الأنكى من ذلك يفضلون الاستيراد . فبأرقام رسمية يوجد بالمغرب 5000 مصدر ، 500 فقط يزاولون هذا النشاط باستمرارية ، مقابل 25 ألف يمتهنون الإستيراد على مدار السنة.

  • Link copied

مقالات ذات صلة